استقطبت قمة RISE Summit 2026، التي استضافها مركز دبي التجاري العالمي، نخبة من كبار المستثمرين وصنّاع السياسات والمطورين وقادة قطاعات الأعمال، لمناقشة التحولات المتسارعة في تدفقات رؤوس الأموال العالمية، والفرص الاستثمارية التي تبرز مع إعادة تشكيل الاقتصاد الدولي، في ظل المتغيرات الجيوسياسية وتبدّل العلاقات التجارية وتطور الأوضاع المالية.
وانعقدت القمة تحت شعار «إعادة تنشيط زخم الاقتصادات العالمية» (Recharging Momentum in Global Economies)، لتسلّط الضوء على كيفية تأثير التحولات في أولويات الاستثمار على الأسواق العالمية والبنية التحتية والمدن والعقارات، إلى جانب اقتصاد التجارب المستقبلية الذي يشمل الضيافة والسياحة والنماذج الجديدة للنمو الحضري.
وشكّل التحول الاقتصادي الذي تشهده دولة الإمارات العربية المتحدة محورًا رئيسيًا للنقاشات، إلى جانب موقع دبي في خريطة الاستثمار الدولي، ودور التنويع الاقتصادي والاتصال بالأسواق العالمية في تعزيز جاذبية الإمارة أمام الشركات والمستثمرين.
قمة RISE Summit 2026 تبحث مستقبل رؤوس الأموال
ناقشت القمة كيفية انتقال الاستثمارات بين الأسواق والقطاعات في ظل إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والجيوسياسية، مع التركيز على الفرص طويلة الأجل في العقارات والبنية التحتية والتكنولوجيا والقطاعات المرتبطة بالاقتصاد المستقبلي.
وفي جلسة «من المرونة إلى الفرص في عالم يعيد تشكيل نفسه»، أكد معالي عبد الله بن طوق المري، وزير الاقتصاد والسياحة الإماراتي، أن الاقتصاد الإماراتي يتجه نحو مرحلة جديدة من الإنتاجية والتطور، مشيرًا إلى أن ملامح اقتصاد عام 2027 لن تكون مطابقة لما هي عليه اليوم.
وقال بن طوق: «عندما نتحدث عن عام 2027، فإننا لن نعود إلى الاقتصاد نفسه، بل سنكون أمام اقتصاد مختلف وأكثر إنتاجية».
ويعكس هذا التصريح توجه الإمارات نحو تعزيز القدرة الإنتاجية للاقتصاد، والبناء على التحولات القائمة لتوسيع فرص النمو في المرحلة المقبلة.
سلسلة القادة العالميين ترصد التحولات في الاستثمار
انطلقت فعاليات القمة بسلسلة «القادة العالميون» (Global Leaders Series)، التي تناولت القوى الدولية المؤثرة في حركة رؤوس الأموال، والتغيرات التي تعيد تشكيل القرارات الاستثمارية طويلة الأجل.
وفي جلسة «التحول الكبير في رؤوس الأموال» (The Great Capital Shift)، استعرض جوزيه مانويل باروسو، رئيس المجلس الاستشاري الدولي في مؤسسة Goldman Sachs والرئيس السابق للمفوضية الأوروبية، تأثير التحولات الجيوسياسية والاقتصادية في تصورات المستثمرين بشأن الأسواق التي توفر فرصًا أكثر أمانًا وإنتاجية لنشر رؤوس الأموال.
وتناولت الجلسة كذلك الأسواق التي قد تستفيد من إعادة توزيع الاستثمارات عالميًا، في ظل تغير العلاقات الدولية وتزايد أهمية تنويع المحافظ الاستثمارية عبر المناطق الجغرافية والقطاعات الاقتصادية.
وفي جلسة «رأس المال طويل الأجل في عالم أسعار الفائدة المرتفعة» (Long-Term Capital in a Higher-Rate World)، بحث لودوفيك سوبرا، رئيس الاستثمار وكبير الاقتصاديين في مجموعة Allianz، تداعيات بيئة أسعار الفائدة على المستثمرين المؤسسيين، والتوازن المتغير بين أدوات الدخل الثابت والعقارات والبنية التحتية والأسواق الخاصة.
باروسو: تنويع الاستثمارات ضرورة في عالم متغير
شدد جوزيه مانويل باروسو على أن الاقتصاد العالمي يشهد تحولًا جوهريًا لا يقتصر على الجغرافيا السياسية، بل يمتد إلى الثورة العلمية والتكنولوجية، بما يعيد تشكيل آليات تخصيص رؤوس الأموال خلال السنوات المقبلة.
وقال باروسو إن قرارات المستثمرين على المدى الطويل ينبغي أن تستند إلى قراءة استراتيجية للتحولات المنتظرة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والدفاع، محذرًا من دفع أي سعر مقابل النمو، ومؤكدًا أهمية الاحتفاظ بجزء من السيولة وتنويع الاستثمارات جغرافيًا وقطاعيًا.
وأضاف: «نشهد تغيرًا جوهريًا. فالأمر لا يتعلق بالجغرافيا السياسية فقط، بل يشمل أيضًا ثورة علمية وتكنولوجية، وستتغير طريقة تخصيص رؤوس الأموال بصورة هائلة. ويتعين على المستثمرين طويلي الأجل التفكير استراتيجيًا في العوامل التي ستغير الأسواق خلال السنوات المقبلة، مثل الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والدفاع. لا تدفعوا أي ثمن مقابل النمو، واحتفظوا ببعض السيولة، وقبل كل شيء، نوّعوا استثماراتكم جغرافيًا وعبر القطاعات؛ فهذه هي النقطة الأساسية».
وتطرق باروسو إلى موقع الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي، معتبرًا أنها ستظل مركزًا رئيسيًا للاقتصاد الدولي، مستندة إلى مكانة الدولار والتقدم في الابتكار والعلوم والقوة الجيوسياسية.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن المستثمرين العالميين قد يسعون إلى تقليل اعتمادهم الكبير على السوق الأمريكية، ما يفتح المجال أمام مزيد من التنويع وتوزيع الاستثمارات على وجهات أخرى.
وفي هذا السياق، لفت إلى أن دول الخليج اتبعت نهجًا مرنًا من خلال إبقاء خياراتها الاستثمارية مفتوحة، والاستفادة من موقعها للقيام بدور حلقة وصل بين وجهات الاستثمار الجديدة.
الذكاء الاصطناعي يقود النمو.. لكن ما المحرك التالي؟
انتقلت النقاشات إلى آفاق النمو الاقتصادي العالمي، حيث تناول لودوفيك سوبرا التأثير المتزايد للاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في دعم النشاط الاقتصادي، بالتزامن مع تزايد الحذر لدى الشركات في قطاعات أخرى.
وأوضح سوبرا أن الاستثمارات في مراكز البيانات والإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي يواصلان دعم النمو العالمي والأمريكي، لكنه طرح تساؤلات بشأن قدرة هذا الزخم على الاستمرار، وما يمكن أن يحل محل هذه المحركات عندما تدخل الدورة الحالية مرحلة جديدة.
وقال سوبرا: «يتمثل قلقي الرئيسي في قدرة الولايات المتحدة على مواصلة الزخم الذي شهدناه حتى الآن، في ظل ما قد يحدث في عام 2027. فالتجارة العالمية تشهد انكماشًا هذا العام إذا استبعدنا الذكاء الاصطناعي، وهو ما يوضح مدى اعتماد النمو العالمي والأمريكي على اقتصاد الذكاء الاصطناعي والإنفاق على مراكز البيانات. وفي مرحلة ما، سيتغير هذا المسار، وعلينا أن نفهم ما الذي سيأتي بعد ذلك. وخارج قطاع الذكاء الاصطناعي، تتعامل الشركات بالفعل بحذر كبير مع المستقبل ومع قراراتها الاستثمارية المقبلة».
وتبرز هذه الرؤية أهمية البحث عن مصادر جديدة ومستدامة للنمو، خصوصًا في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن التجارة العالمية وأسعار الفائدة واتجاهات الاستثمار.
تقارب العقارات والبنية التحتية يفتح فرصًا جديدة
في ظل بيئة أسعار الفائدة المرتفعة، أشار سوبرا إلى أن الأصول الحقيقية تشهد تحولًا في دورها ضمن المحافظ الاستثمارية للمؤسسات، مع تزايد التداخل بين قطاعات العقارات والبنية التحتية والتكنولوجيا.
وأوضح أن مفهوم العقارات بات أكثر تعقيدًا، وأن الحدود التقليدية بين الاستثمار العقاري والبنية التحتية أصبحت أقل وضوحًا، لا سيما في مجالات الخدمات اللوجستية والمستودعات.
وقال: «يشهد قطاع العقارات تحولًا نحو نموذج أكثر تعقيدًا بكثير. فالحدود بين العقارات والبنية التحتية تتداخل بصورة متزايدة، خاصة في الخدمات اللوجستية والتخزين، وهو ما يخلق فرصًا مهمة لتكوين المحافظ الاستثمارية».
وتعكس هذه التحولات تنامي أهمية الأصول التي تجمع بين العقارات والخدمات التشغيلية والبنية التحتية، بما يمنح المستثمرين خيارات أوسع لبناء محافظ تتناسب مع التغيرات الاقتصادية واحتياجات الأسواق.
دبي تعزز جاذبيتها عبر قطاعات الاقتصاد الحقيقي
احتل مسار التنمية الاقتصادية في دبي مساحة مهمة ضمن جلسات القمة، حيث تناول محمد العبار، مؤسس والعضو المنتدب لشركة إعمار العقارية (Emaar Properties)، دور الرؤية طويلة الأجل في تطوير المدن، وأهمية مواصلة تنفيذ المشاريع الكبرى رغم تغير دورات السوق.
كما استعرض معالي عصام كاظم، الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للتسويق السياحي والتجاري (DTCM)، المقومات الاقتصادية التي تدعم مرونة الإمارة وآفاق نموها المقبلة، في ضوء أجندة دبي الاقتصادية D33.
وأوضح كاظم أن أجندة D33 تستند إلى قطاعات تتمتع دبي فيها بخبرات وقواعد راسخة، من بينها الخدمات اللوجستية والتصنيع والخدمات المالية والسياحة، مع العمل على تعزيز حضورها وجاذبيتها أمام الشركات والمستثمرين الدوليين.
وقال كاظم: «عندما بدأنا استراتيجية D33، ركزنا على قطاعات تشمل الخدمات اللوجستية والتصنيع والخدمات المالية والسياحة. لم تكن أي من هذه القطاعات جديدة بالنسبة إلينا، فقد كنا أقوياء فيها بالفعل، لكن ربما لم نكن نسلط الضوء عليها بالقدر الكافي. واليوم، نعزز تركيزنا على نقاط القوة هذه. فالشركات لا تتخذ من دبي مقرًا إقليميًا لها بسبب وجود أربعة ملايين نسمة فقط، بل بسبب ما تستطيع الوصول إليه من سكان وأسواق حول العالم انطلاقًا من دبي».
ويبرز هذا التوجه دور الموقع الجغرافي والاتصال بالأسواق الدولية في دعم مكانة دبي مركزًا للأعمال والاستثمار، إلى جانب الاستفادة من القطاعات القائمة وتطوير قدرتها على استقطاب المزيد من الأنشطة الاقتصادية.
السياحة النوعية تعزز قيمة تجربة دبي
تظل السياحة أحد الأعمدة الرئيسية في استراتيجية دبي الاقتصادية، وفقًا لكاظم، الذي أكد أن نجاح الوجهة السياحية لا يُقاس بعدد الزوار وحده، بل أيضًا بجودة تجربتهم ومدى ارتباطهم المستمر بالمدينة.
وقال إن الزوار الذين يلمسون القيمة التي تقدمها دبي يمكن أن يتحولوا إلى سفراء لها، ينقلون تجاربهم الإيجابية إلى الآخرين ويشجعونهم على زيارتها.
وأضاف: «بالنسبة إليّ، تكمن القيمة الأكبر في الجودة لا الكمية. فالزوار الذين يأتون إلى دبي ويقدّرون القيمة التي تضيفها المدينة يصبحون سفراء حقيقيين لها. ونحو 25% من زوارنا يعودون إلى دبي مرة أخرى خلال 12 شهرًا، وهي نسبة مهمة تعكس طبيعة العلاقة التي يبنيها الزوار مع المدينة بعد تجربتها».
وتسلط هذه الأرقام الضوء على أهمية السياحة المتكررة في دعم النشاط الاقتصادي، وتعزيز قطاعات الضيافة والتجزئة والخدمات، وترسيخ مكانة دبي وجهةً قادرة على بناء علاقات طويلة الأمد مع زوارها.
أكثر من 500 مشارك يناقشون فرص الاستثمار المقبلة
إلى جانب القضايا الاقتصادية الكلية، بحثت قمة RISE Summit 2026 انعكاسات تغير أولويات الاستثمار على البيئة العمرانية والمشروعات العقارية والبنية التحتية اللازمة لدعم النمو الاقتصادي في المستقبل.
وأبرزت النقاشات، التي شارك فيها أكثر من 500 مندوب، أن رؤوس الأموال لا تزال متاحة، لكن المستثمرين أصبحوا أكثر انتقائية عند تقييم الأسواق والأصول والشراكات. وباتت عوامل مثل المرونة الاقتصادية، والقدرة الاستيعابية للبنية التحتية، ووضوح الأطر التنظيمية، وإمكانية الوصول إلى فرص النمو طويل الأجل، تؤدي دورًا متزايدًا في توجيه القرارات الاستثمارية.
وتجمع القمة المستثمرين المؤسسيين، ورؤوس الأموال السيادية، وشركات الاستثمار المباشر، والمكاتب العائلية، وصنّاع السياسات، والمطورين، وأصحاب المشروعات، ضمن منصة تتيح مناقشة كيفية ترجمة التحولات الاقتصادية العالمية إلى فرص عملية في الأسواق والبنية التحتية والمدن والعقارات.
وتؤكد مخرجات القمة أن المرحلة المقبلة من الاستثمار العالمي ستتطلب مزيجًا من الرؤية الاستراتيجية والتنويع والقدرة على تقييم المخاطر، مع التركيز على القطاعات التي تمتلك مقومات النمو المستدام. وفي هذا السياق، تواصل دبي تعزيز حضورها بوصفها منصة تربط رؤوس الأموال بالأسواق والفرص الدولية، مستفيدة من تنوع اقتصادها واتصالها بالاقتصاد العالمي.
سجل في قائمتنا البريدية لتصلك آخر الأخبار
تابعونا أيضا على بوابة التكنولوجيا وأخبارها في مصر



